أبو البركات بن الأنباري

116

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

في الاتصال بضمائر الأفعال الماضية هذا التصرف وألزم [ 65 ] هذا الفعل في الإضمار وجها واحدا جاز أن يدخله التصغير دونهما . والثالث : أن « ليس ، وعسى » لا مصدر لهما من لفظهما ، فتنزل اللفظ بهما منزلة اللفظ به ، والتصغير هاهنا في الحقيقة للمصدر ، فإذا لم يكن لهما مصدر من لفظهما بطل تصغيرهما ، بخلاف فعل التعجب ؛ فإن له مصدرا من لفظه نحو الحسن والملاحة وإن لم يكن جاريا عليه على ما يقتضيه القياس ، فقام تصغيره مقام تصغير مصدره ، فبان الفرق بينهما . والرابع : أن « ليس ، وعسى » لا نظير لهما من الأسماء يحملان عليه كما حمل ما أفعله على أفعل الذي للمفاضلة ؛ فيحمل « ما أحسنهم » على قولهم « هو أحسنهم » فبان الفرق بينهما . فإن قالوا : هذا يبطل بنعم وبئس ؛ فإنهما للمبالغة في المدح والذم ، كما أن التعجب موضوع للمبالغة ، وإنهما لا يتصرفان ، ومع هذا فلا يجوز تصغيرهما . قلنا : هذا الإلزام على مذهبكم ألزم ؛ لأنهما عندكم اسمان كأفعل في التعجب فهلا جاز فيهما التصغير كما جاز فيه ؟ فإن قلتم « إن ذلك لم يسمع من العرب » قلنا : كما قلتم ، ثم فرقنا بينهما ، وذلك أنهما وإن كانا لا يتصرفان فهما أشبه منه بالأفعال المتصرفة ، وذلك من ثلاثة أوجه ؛ أحدها : اتصال الضمير بهما على حد اتصاله بالفعل المتصرف نحو قولهم « نعما رجلين ، ونعموا رجالا » والثاني : اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما نحو « نعمت المرأة ، وبئست الجارية » والثالث : أنهما يرفعان الظاهر والمضمر كالفعل المتصرف ، فلما قربا من الفعل المتصرف هذا القرب بعدا من الاسم ؛ فلهذا لم يجز تصغيرهما ، بخلاف فعل التعجب على ما بيّنا ، وأما مثال « أفعل به » فإنما لم يجز تصغيره لأنه لا نظير له في الأسماء إلا أصبع ؛ وهي لغة رديئة في إصبع - وفيها سبع لغات : فصحاهن إصبع - بكسر الهمزة وفتح الباء - ثم أصبع - بضم الهمزة وفتح الباء - ثم أصبع - بفتح الهمزة والباء - ثم أصبع - بضم الهمزة والباء - ثم إصبع - بكسر الهمزة والباء - ثم أصبع - بفتح الهمزة وكسر الباء - ثم أصبوع - وإذا لم يكن له في كلامهم نظير سوى هذا الحرف في لغة رديئة باعده ذلك من الاسم ، فلم يجز فيه التصغير . ألا ترى أن وزن الفعل الذي يغلب عليه أو يخصّه أحد الأسباب المانعة من الصرف ، فإذا كان الاسم يقرب من الفعل [ 66 ] لمجيئه على بعض أبنيته حتى يكون ذلك علة مانعة له من الصرف فكذلك الفعل يبعد من الاسم لمخالفته له في البناء ، هذا مع أن لفظه لفظ الأمر ، والأمر يختص به الفعل ، فأما ما جاء من الأسماء مضمنا معنى